أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
549
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
آخرين ، من أمور يبديها لا يبتدئها . وقال بعضهم : في تفسير الآية : كل يوم يجهز ثلاثة عساكر عسكرا من الأصلاب إلى الأرحام ، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا ، وعسكرا من الدنيا إلى القبور ، ثم يرتحلون إلى اللّه جميعا ، انتهى . وقد تقدم بعض الكلام على علامات العارف . وقال الشطيبي في هذا المحل : فقلوب العارفين تشاهد بنوره ولا مشاهد للحق سواه ، ومنازلات الربوبية خارجة عن رسوم البشرية ، فعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة يرى فيه ما غاب من غيره ، وجلاء القلب لا يكون إلا بنور الإيمان والإيقان ، فعلى قدر قوة الإيمان يكون نور القلب ، وعلى قدر نور القلب تكون مشاهدة الحق ، وبقدر مشاهدة الحق تكون المعرفة بأسمائه وصفاته ، وبقدرهما يكون التعظيم لذاته ، وبقدر التعظيم لذاته يكون كمال العبد ، وبقدر كماله يكون استغراقه في أوصاف العبودية ، وبقدر استغراقه في أوصاف العبودية يكون قيامه بحقوق الربوبية : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] ، انتهى . قلت : وبقدر قيامه بحقوق الربوبية يكشف له عن أسرار الألوهية ، وأنشدوا : كانت محادثة الركبان تخبرني * عن فضلكم وسناكم أطيب الخبر حتى التقينا فلا واللّه ما سمعت * أذني بأحسن مما قد رأى بصري ومن أوصاف العبودية بعد الفقر ، والجهالة الخساسة واللآمة ، كما أن من أوصاف الربوبية بعد الغنى والعلم الإحسان والكرم ، فأدلى الشيخ بذكر لآمة نفسه إلى كرم مولاه وإحسانه فقال في المناجاة الرابعة : 333 - إلهي مني ما يليق بلؤمي ، ومنك ما يليق بكرمك . اللؤم : بضم اللام وسكون الهمزة هو الشح والدناءة ، وفي القاموس لؤم بالضم ضد كرم . يقول رضي اللّه تعالى عنه : إلهي يظهر مني من الدناءة والخساسة واللآمة والمساوىء ما يليق بلآمتي ودناءتي ، ويظهر منك من المبرة والإحسان والكرامة والامتنان وتغطية المساوىء والنقصان ما يليق بكرمك